عبد الملك الجويني
260
الشامل في أصول الدين
الحكم من محل العرض [ و ] أن يثبت الحكم للجملة ، وإن لم يقم العرض بالجملة كالعلم ، يقوم بجزء واحد ، ويثبت الحكم للجملة . وليس التأليف عندهم كذلك ، فإنه لم يقم بأحدهما وأوجب الحكم الثاني ، بل قام بهما . فلم ينفك إذا حكم محله ، إذ التأليف قائم بالجوهرين جميعا . والذي يعترض [ به ] على ما قالوه أن يناقشوا أولا في رجوع الحكم إلى الجملة وسنستقصي القول في ذلك إن شاء اللّه . ثم نقول : هلا قلتم إن اشتراط غير المحل يثبت لبعض الأعراض ، وإن كان لا يتعدى حكمها محلها ، ولكن من حيث فارق التأليف سائر أنواع الأعراض في قيام الواحد منها بمحلين ، جاز أن يفارق سائر الأعراض في الاختصاص بشرط . والذي يوضح ذلك : أن الأعراض التي تشترط الحياة في ثبوتها هي التي توجب الأحوال دون ما لا تشترط الحياة في ثبوته من الأعراض كالطعوم والألوان وغيرهما . ثم ناقضتم في الأكوان وزعمتم أنها توجب أحوالا لمحالها وإن لم يشترط في ثبوتها الحياة ، فهلا قلتم إن التأليف وإن لم يتعد عن محله ، جاز أن يختص من بين سائر الأعراض بشرط ؟ ومن الدليل على ذلك أن التأليف لا بد له من مجاورة ، فلئن لم يبعد كونه مشروطا بها بدءا ، فلا تستبعدوا [ ذلك ] إذا لم يكن كونه مشروطا برطوبة أو يبوسة . ومما استدل به من نفي كون الرطوبة شرطا أن قال : لو كانت الرطوبة شرطا في التأليف لشرط دوامها ، كما أن المجاورة لما كانت شرطا في التأليف ، شرط دوامها ، ونحن نرى متألفا لا رطوبة فيه كالصخور والياقوت ونحوهما . والمعترض أن يعترض على ذلك فيقول : يجوز أن تكون الرطوبة مشروطة ابتداء ، ولا يشترط بقاؤها . وهذا كما أن المباشر بالقدرة يشترط تعلق القدرة به قبل وجوده ، ولا يشترط دوام التعلق ما دام وجوده . قالوا : وهذا هو القياس في كل ما يؤثر في حدوث شيء مباشرة أو تولدا ، والمجاورة خارجة عن القياس لدلالة خصصتها ، فلا معنى لاعتبار غيرها بها إلا أن تقوم دلالة في غيرها كما قامت فيها . ومما تمسك به من لم يشترط الرطوبة أن قال : لو شرطنا الرطوبة واليبوسة لم يكن أحد الجوهرين أولى بأحد الوصفين من الثاني ، ورطوبة أحدهما إذا كانت لا تتعداه فلا أثر لها في الجوهر الثاني . فقد وجدت إذا رطوبة فردة في أحدهما ويبوسة في الثاني . ولا أثر للرطب في اليابس ، ولا لليابس في الرطب ، فبطل اشتراط الرطوبة واليبوسة . وهذا